نورالدين علي بن أحمد السمهودي

159

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وقد كانت مياه الأمطار تتسرّب من بين تلك الألواح وتصل إلى سقف الحجرة الشريفة ، فإن آثار المياه قد وجدت هناك ، وأثّرت في الشباك الذي بأعلى حائز عمر بن عبد العزيز بحيث تأكل بعضه ، فأصلحه متولي العمارة أيضا ، وأثّرت الأمطار أيضا في الستارة التي على سقف الحجرة الشريفة بحيث تأكل بعضها ، ثم احترق ذلك كله في حريق المسجد الثاني ، فاقتضى رأيهم تأسيس القبة البيضاء الموجودة اليوم على دعائم بأرض المسجد وعقود من الآجر ، وجعلوا تلك الدعائم في موازاة الأساطين التي كان بينها درابزين المقصورة الآتي وصفها ، وزادوا من جهة الشام دعائم بعضها عند المثلث الذي بالحجرة الشريفة من بناء عمر بن عبد العزيز ، وزادوا هناك أسطوانا ، وعند التأسيس لذلك وجدوا عند صفحة المثلث الشرقية قبرا بدا لحده وبعض عظامه ، وإن صح القول بدفن فاطمة رضي اللّه عنها في بيتها كما ستأتي الإشارة إليه فهو قبرها ، وأبدلوا بعض الأساطين بدعائم ، وأضافوا إلى بعضها أسطوانة أخرى ، وقرنوا بينهما ليتأتى لهم العقد عليها ، وحصل فيما بين جدار المسجد الشرقي وبين تلك الدعائم ضيق لاتحاد بعض تلك الدعائم هناك ، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي في البلاط الذي يلي الجدار المذكور نحو ذراع ونصف ، فإنهم هدموا ذلك الجدار ، وأعادوه إلى باب جبريل عليه السلام ، ولم ينقلوا باب جبريل عن محله . ثم إن القبة المذكورة تشققت من أعاليها ولم ينفع الترميم فيها ، ففوّض السلطان للشجاعي شاهين الجمالي النظر في أمرها وأمر المنارة الرئيسية أيضا عند توليته شيخ الحرم الشريف ، فاقتضى رأيه بعد مراجعة أهل الخبرة هدم أعالي المنارة المذكورة واختصار قليل منها ، فاتخذ أخشابا في طاقاتها وجعل عليها سقفا يمنع ما يسقط عند الهدم للحجرة الشريفة ، ثم هدم أعاليها وأعاد بناءها أحكم من البناء الأول ، بحيث حمل لها الجبس الأبيض من مصر وجعله في بنائها ، فجاءت محسنة محكمة ، وأزيل ذلك السقف عند تمامها ، وذلك في عام اثنتين وتسعين وثمانمائة . المقصورة الدائرة على الحجرة وأما المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة بين الأساطين حول جدار الحجرة الظاهر وحول بيت فاطمة رضي اللّه عنها فقد أحدثها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ، وذلك أنه لما حج سنة سبع وستين وستمائة أراد أن يجعل على الحجرة الشريفة درابزينا من خشب - وهو المقصورة المذكورة - فقاس ما حول الحجرة الشريفة بيده وقدره بحبال وحملها معه ، وعمل الدرابزين ، وأرسله في سنة ثمان وستين ، وأداره عليها ، وعمل له ثلاثة أبواب قبليا وشرقيا وغربيا ، ونصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة إلا من ناحية الشام فإنه زاد فيه إلى متهجّد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .